التطبيع في تونس.. قبحٌ و جريمة




عندما تتعود السلطة على لا مبالاة الشعب تتقدم خطوة نحو الدكتاتورية، و عندما يتعود الشعب على التفريط في حقوقه، يتقدم خطوة نحو العبودية. هذه هي المعادلة التي تفك رموز ما يحدث على الاقل في احدى دول " الربيع العربي "، و الحديث هنا عن تونس، اذ سبق و حذّرنا منذ تاريخ تولي أمال كربول حقيبة وزارة السياحة التونسية، ان الوزيرة قامت بزيارة فلسطين المحتلة قبل ثمانية سنوات، و انها لا تعتبر تلك الزيارة كنوع من انواع التطبيع مع العدو الصهيوني، كما وقد حذرنا من خطورة عدم التنصيص على تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور التونسي الجديد لما سيكون له من مخلفات على الصعيد التشريعي بعد ذلك، فها نحن الان امام حادثة خطيرة، اذ سمحت رئاسة الحكومة التونسية بدخول اصحاب جوازات السفر الاسرائيلية الى التراب التونسي بدون اي استثناء و من كل المعابر، و جاء هذا الخبر على لسان رئيس الحكومة التونسية المهدي جمعة و الذي قال حرفيا: " نعم لقد أخذنا قرارا بالسماح للسيّاح الإسرائيليين بدخول تونس " واضاف : " نحن نريد بذلك إنجاح الموسم السياحي".
كما منعت نفس هذه السلطة التونسية (حكومة التكنوقراط) ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان أبو عماد الرفاعي من السفر على متن الخطوط الجوية التونسية من مطار بيروت الدولي في اتجاه مطار تونس قرطاج كما و قد منعت ايضا  وفداً من حزب الله على رأسه الشيخ حسن عز الدين مسؤول العلاقات في الحزب من دخول البلاد التونسية بعد وصوله، علما ان الوفد قد سبق و تحصل على تأشيرة للدخول و يعتبر هذا العمل غريب جدا و مستفز الى أبعد الحدود، فمنع رموز المقاومة المسلحة التي ساهمت في رفع رؤوسنا عاليا في حربنا المباشرة مع العدوّ الصهيوني يعتبر عملا مهينا إن لم نقل خيانة للثورة التونسية و التي تمثل إرادة لشعب تونس.
و لنتمكن من اعطاء وجهة نظر تحمل كل الابعاد يتوجب علينا الخوض في كامل الاحداث التي من شانها مساعدتنا في اتخاذ قرار صائب تجاه هذه الازمة و سيكون البدا من الناحية التاريخية ، اذ حاول الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي Vladimir Jabotinsky  القدوم إلى تونس في سنة 1927 للقيام بأنشطة سياسية تروّج للسياسة الصهيونية بين يهود تونس، لكن محاولته قوبلت بالرفض من طرف السلطات الفرنسية ( المحتلّ للأراضي التونسية حينها ) بعد الضغط و الاحتجاجات الشعبية المتواصلة لمدة ثلاث أيام متتالية من طرف الشعب.
و منذ تاريخ الاستقلال للبلاد التونسية (سنة 1956) كان يسمح للإسرائيليين بدخول تونس عبد مطار جربة فقط اين يقع كنيس الغريبة ( في جنوب شرق تونس)، كما و يمنع الوافدين من حاملي جواز السفر الاسرائيلي من التجوال في باقي البلاد و تكون زيارة اليهود لتونس في فترة تتراوح من 10 الى 18 ماي | مايو للقيام بمناسك حجهم في الغريبة.
اما من الناحية القانونية، فلا وجود لقانون واضح و صريح يمنع الاشخاص من حاملي الجنسية " الاسرائيلية " من دخول التراب التونسي، الا انه و من منطلق الالتزام بقرارات جامعة الدول العربية و التي وقعت تونس عليها فإنّه يتوجب مقاطعة كل ما هو " اسرائيلي " و منعه من الدخول بما في ذلك البضائع او الاشخاص و بإمكان اي حكومة الغاء العمل بهذا القرار بعد الانسحاب من الاتفاقيات العربية التي تلزمها بهذه المقاطعة.
لن ننسى كذلك الحديث عن الناحية الاكثر تأثيرا على عاطفة و عقول الشعوب، و هي الناحية الاقتصادية و لنا هنا ان نطرح عدة تساؤلات : هل العشرات من السياح من حاملي الجنسية الاسرائيلية بإمكانهم انعاش الاقتصاد التونسي ام ان للإسرائيليين كامل التأثير على كل حكومات العالم  بما في ذلك الحكومة التونسية ؟
هل فعلا يريد بعض الاسرائيليين من اليهود القيام بمناسك حجهم الى كنيسة الغريبة ام انهم يريدون بذلك بدا سياسية جديدة  تفتح لهم ابواب تونس، تلك التي كانت و رغم الديكتاتوريات السابقة و من قبلها الاحتلال الفرنسي مغلقة تجاه الحركة الصهاينة بنضالات شعبها المتواصلة المساندة للقضية الفلسطينية ؟
هنا تحديدا، سيصبح من واجبنا الاول أن نجزم بأننا أصبحنا في مواجهة مباشرة للصهيونية العالمية، و تتمثل في شروط البنك الدولي المجحفة و المستنزفة لمجهود الشعب و التي تستغل الحالة الاقتصادية المتدهورة التي تمر بها البلاد لاستنزاف و استغلال الطبقة العاملة و الفقيرة، تلك الصهيونية التي تضع نجاح الموسم السياحي في كفة و نجاح الحج اليهودي في كفة اخرى، فكيف للعقل ان يقبل بان السائح الفرنسي و الالماني و الكندي و الروسي و الإنجليزي و الجزائري و غيرهم من جنسيات العالم سيعدلون عن القدوم الى تونس لان حاملي جوازات السفر الاسرائيلية قد منعوا من دخول البلاد !!
الان سنتبين مدى تغلغل الصهيونية العالمية (الامبريالية بصيغتها الجديدة ) في مراكز القرار لكل دول العالم، و هنا يصير بإمكاننا ان نعي جيدا ان حربنا مع العدو الصهيوني لم و لن تكون حربا ايديولوجية او عرقية او دينية، هي حرب كل الانسانية ضد عدوها الواحد الصهيونية.

بقلم صابر المنتصر
المجد للشهداء، الحرية للأسرى و النصر للمقاومة